الفصل الثاني من رواية حسن ولد مختار

محمد أمين محام كاتب روائي أديب موريتانيا

بقلم: المحامي والكاتب الروائي محمد أمين (أرشيف)

حين عدت أدراجي لهذا الوطن المخبول والمحموم وجدته في حالة يرثى لها من الضجر وتبدت لي نواكشوط حزينة ومكلومة ربما بسبب انتهاء الحرب بشروط مذلة وبتسرع عجيب وربما بسبب آخر لم أستطع معرفته للوهلة الأولى ولا أريد الحديث عنه !
لقد أوصل التمزق الداخلي البلاد أثناء غيابي إلى انقلابات متتالية راح ضحيتها خيرة أبطال الجيش الموريتاني وأعقبها جو بوليسي ملعون اختلط مع غضب السماء التي لا تمطر والأرض البوار وأنتج ريحا غبراء تعبث بأفراح أهل المدينة البهية وتعكر صفوهم كل يوم وأصبحت تلك البلدة الطرية والجميلة دون سابق إنذار أرض اللقاء اليومي والمرير بين الحزن والقحط وجور السلاطين!
في أول أسبوع استصدرت قرارا من وزارة الوظيفة العمومية وتكوين الأطر بتعييني كطبيب بيطرة حكومي وتمت إحالتي لوزارة التنمية الريفية في الأسبوع الثاني..!
لقد كانت وظائف الدولة لأبناء جيلي متوفرة بشكل ملفت للانتباه وما هي إلا سنوات قليلة وتوصد الأبواب تماما في وجه أفواج الخريجين المتتالية ..لذلك يمكن القول بأنني استفدت من آخر ألطاف الرعيل المؤسس.!
في كثير من المبالغة اعتبر أهل نواكشوط في رفضهم المتواصل لحاكم البلاد ساعتها ان البوليساريو تحكمهم وأنها تصفي حساباتها معهم عبر ولد هيدالة الذي يعود أصله لإقليم تيرس الغربية موضع النزاع وهو الإقليم الذي خسرناه بجرة قلم وظل ولد هيدالة بعده يجرع الناس كؤوس الظلم والإذلال وكثيرا ما تندروا قائلين لو ذهب هيدالة مع الداخلة لكفانا ذلك من النصر المهيب ولعاد الاعتبار لجيشنا الباسل !
كل من كان في نواكشوط يتقلد منصبا أوأدار شركة خاصة أو عرفت عنه استقلالية في السياسة أرسل للمجابات الكبرى أو فرض على الإقامة الجبرية في القرى المتناثرة في جوف الصحراء الموريتانية الكبيرة !
لقد تميزت حاكمية المقدم محمد خونا ولد هيدالة بدرجة كبيرة من الارتجالية والتخبط فقد تمت محاكمة الرئيس مختار غيابيا وتواصلت النغمة المهينة ضده في الإذاعة وتبعته العيون والجواسيس تلاحقه وتطارده في منافي أرض الله الواسعة!
ثم قرر ولد هيدالة الخروج علي الناس بأمر جمهوري يحرر العبيد وقد استغربه الكثيرون لأنه لا يضيف شيئا قانونيا جديدا فكل قوانين الجمهورية تمنع ممارسة الرق ومنذ زمن طويل وأن درج عليه الناس في أرياف وبوادي الظلمات ورغم ما في الأمر من دعاية شعبوية وديماغوجية جلية فقد استغربت كيف لم يستطع الاستفادة من حركته التقدمية البسيطة حيث رضخ لأول جدل فقهي مع علماء وفقهاء موريتانيا فأصدر أمرا جمهوريا آخرا يلتزم فيه بالتعويض لملاك العبيد عن كل رقبة أعتقتها الدولة وبذلك سقط في فخ الدعاية والدعاية المضادة وأفرغت العملية من أي فحوى تحررية حقيقية خلافا لما كان الكادحون ومن سار في ركبهم يطالبون به من قوانين رادعة وواضحة وضرورية لإنهاء الوضعية المقيتة التي تم تكبيل الكثير من الناس فيها منذ القدم!!
في تناقضات العسكر الكثير مما جربه أهل موريتانيا ولعل أشنع ما اقترفه العساكر بحقنا هو سخريتهم الآثمة من شرع الله عز وجل حيث قرروا ذات صباح تطبيق الحدود الشرعية في القضايا الجنائية دون نقاش مستفيض حول كنه ومعاني الحدود ولم يتلمسوا درأها بالشبهات ولم يعملوا العقل ومستجدات الزمان وما اجتهده الخلفاء وراحوا يحوّلون ماكينة الدولة دونما تريث ولا دراية إلى وسيلة لدعايتهم الممجوجة فجلدت نساء فقيرات طريدات بتهمة الزنا أمام الملأ ونجا بفعلتهم الذكور…وقتل متهمون بالقتل بتسرع وتلهف وقطعت أيدي جائعين قيل أنهم سرقوا وتحول ملعب كابيتال إلى مكان للفرجة العمومية لكرنفالات أمير المؤمنين الجديد !

شكل ولد هيدالة حكومة مدنية ووعد بعودة الجيش للثكنات وتراجع عن ذلك في أول مطب ثم راح يفتح أبواب السجن لكل من لم يستمزج طباعه أو خالفه في الرأي!
أرسل أحمد ولد محمد صالح وزير الداخلية الأسبق لباركيول وولد مكناس وزير خارجية ولد داداه لبومديد واحمد ولد داداه الأخ غير الشقيق للرئيس الراحل لتيشيت وبمبا ولد سيدي بادي والعربي ولد كركوب لأطار والشيخ ولد خطاري ومحمدن ولد باباه لولاتة وهلم جرا…وأخذت نوبة “البارانويا” تتوسع يوما بعد يوم حتى أصبح بمقدور أي شرطي أو أي مخبر أن يلفق ما يريد من قصص على أي مخلوق وأن يرسل من شاء لغياهب الجب وظلمة السجن!
البعثيون والناصريون والكادحون وغيرهم كثير عرفوا زوار الفجر وأسئلة المحققين تباعا…حتى سيدة راقية من مجتمع نواكشوط الوديع سجنت وسجنت معها شقيقاتها وصديقاتها لأنها قالت لبائعة مجوهرات أن ثمن قلادتها مرتفع ولا يمكن أن تشتريه إلا زوجة الرئيس ,فأعتبر ذلك كافيا لإدانتها وتوقيفها وهكذا دواليك
من المحزن أن ترى الناس في تلك المدينة المفجوعة يترددون في الحديث ويتهيبون ويخافون وهم من عرفت عنهم الصراحة وقد تعودوا الهذر وكثيرا ما غمرتهم الرغبة العارمة في الجدال لكنها عوادي الزمان ونوائبه!
لقد تعودت على العيش تحت شمولية الاستبداد في بغداد المشانق وبغداد كلاب شرطة الكرخ الرهيبة لذلك عزفت عن الأوساط السياسية منذ أول يوم وقررت أن أهتم بشؤوني الخاصة فقط وأن أنجو من لوثة نواكشوط كما نجوت من جنون بغداد!
خلال فترة غيابي انتشرت ظاهرة الهمس وتحريك الأيدي للتعبير بأن للحيطان آذان وأن صاحب الدكان جاسوس وسائق التاكسي كذلك وأبدع شباب نواكشوط في خلق لغة بديلة تشبه لغة الصم البكم للتعبير عن كراهيتهم لحكم اللجنة العسكرية وأخذت أتعلم أحرفها كل يوم وأضحك من تفاقم الحالة السياسية الموريتانية وكانت لغة الإشارة تكفيني للتعبير عن امتعاضي ورفضي مما آل إليه حالنا !
في وزارة التنمية الريفية فوجئ الناس بلغتي الفرنسية المقبولة وقد تعودوا على السخرية من خريجي الجامعات العربية وتمرنوا علي الانتقاص منهم وكأنهم كلما أثبتوا تخلف لغة الضاد وأهلها ازدادوا هم ألمعية ومهارة….ولعل بقاء الفرنسية لغة عمل في الدوائر الحكومية الموريتانية هو اكبر مظلمة عرفتها الإدارة الموريتانية عبر تاريخها حيث تفتحت الأبواب تلقائيا لمن يستطيع كتابة جملة فرنسية ولو قبيحة ومهلهلة وركيكة وأغلقت تماما في وجه من لا يستطيع حتى ولو أتقن كل لغات الدنيا وأمسك بزمام أصعب العلوم وأكثرها تعقيدا إنها البيروقراطية القاتلة والمجرمة التي حرمت موريتانيا وما زالت من موارد بشرية كبيرة ومتزايدة مع حركة التعريب وجيوش الوافدين من جامعات الدول العربية!
لقد أنقذتني مدرسة كيفة واعداديتها اللتين تعلمت فيهما بالفرنسية من التهميش الوظيفي وتلك من الديون الكثيرة في عنقي لتلك البلدة الرائعة.. لذلك وبسبب لغتي الفرنسية وميلي “الجامبوري” إلى المحادثة مع الأغراب استطعت أن اقنع مهندسا فرنسيا يدعى برنارد لبلانه وهو مدير مشروع حماية الغابات والحيوانات النادرة باستكتابي في مشروعه الذي يستفيد من تمويل وافر من الصندوق الأوربي للتنمية .
برنارد لبلانه شاب فرنسي في العشرينيات خريج جامعة مونبيلييه في علم البيئة أعزب ومرح ومقبل علي الحياة يحب لعب كرة التنيس في نادي راسينغ كليب ومغازلة “التكروريات” في شوارع نواكشوط المتربة وهو في حقيقته مجرد طفل وديع وضعيف المستوى من الناحية العلمية ولولا جنسيته الأوربية لما كان له أن يدير مشروعا بعشرات ملايين الدولار وأن يعيش كملك في موريتانيا خلال تلك الفترة من صباه وقلة تجربته العلمية لكنها أموال” النصارى” ومساعداتهم التي تتبعها خبراتهم وتستعيدها جيوبهم بألف طريقة وطريقة ..وعلى كل حال ليس لي أن أكثر التشكي فقد أتاح لي العمل مع هذا الحدث الجانح يسرا ماليا وأسفارا وخبرات ما كان لي أن أصل إليها لولا ما لمست فيه من مشاعر طيبة وبريئة وعفوية وأصبحنا صديقين وزميلين وكفاني الله به ردحا من الزمان عن مخالطة البدو ومن التعرض لمؤامرتهم البيروقراطية الكثيرة والمتشعبة والمتزايدة.
في معيته تعرفت على طيور وزواحف حوض آرغين وحيوانات نجاولينغ الكثيرة والغريبة وسافرت كثيرا في داخل البلاد وعرفت مغاور آدرار وسهول البراكنة وما تبقى من غابات هزيلة في غورغول وغيدماغا والعصابة وبفضل مشروعه تمكنت من السفر إلى الخارج مرات عديدة وحضرت ندوات علمية مهمة في باريس وداكار وموسكو ولندن….الخ
ومن فوائد العمل في هذا المشروع وأفيائه الكثيرة هو انفرادي بسيارة رانجروفير فخمة اشتراها المشروع للسفر في داخل البلاد لمتابعة التطورات البيئية والرعوية وقد كنت استخدمها في تنقلاتي الخاصة بإذن وترخيص من مدير المشروع وهي سيارة ثمينة وساعدتني كثيرا في غواية الصبايا وأكسبتني مظهرا باشويا حسدني عليه كل من عمل في وزارة التنمية الريفية تلك الأيام ثم سرعان ما جرّت عليّ حقد بعض الضباط الشباب الذين تعودوا على وضع خوذاتهم وشاراتهم العسكرية في مؤخرة سيارات رينو 12 وبيجو 504الحقيرة التي كلما توقفت واحدة منها جنب سيارتي الخضراء الشامخة أحسوا بالذل والمهانة ..!
كان لنوع السيارات في تلك الأيام البئيسة تأثير كبير على نفسيات المتبرجات من صبايا نواكشوط اللائي كان التنافس عليهن محموما بين الشباب من أبناء جيلي وقد درج صغار الضباط على الاستفادة من ميزات العسكرية وسطوتها لإذلال كل من يحوم في ملاعب يرومونها أو يترصد غزلانا اعتزموا “مصايدتها” حتى ولو كان شاعرا مسالما ورقيقا محمّلا بقوافل من صبابة بغداد وسماحة أهلها!
في مايو 1982 زار نواكشوط العبقري الكبير وعالم الطبيعة الفذ وعاشق صحراء موريتانيا بيير كونود الذي يعود إليه الفضل في التعريف بحضاراتنا وذخائر البيئة وكنوزها لدينا وهو أول من طالب بحماية طيور آرغين في خمسينيات القرن الماضي وهو من اكتشف في الثلاثينيات موقع اكبر نيزك سقط على وجه الأرض بين ربوعنا وقد كتب عنا كثيرا حتى عرفتنا أوساط العلماء ودوائر البحث والاكتشاف من خلاله .
احتراما لمكانته العلمية خصه رئيس الدولة بلقاء مطول وتحلق عليّة القوم عليه ولم يكن مهتما بهم وقد عرفت لاحقا انه يكره العسكر بفطرته النقية وأن صداقة عميقة ربطته بالرئيس مختار وهي صداقة جعلته يستسخف رؤية كائنات متحجرة تجلس على كرسي صديقه وهي كائنات أقل منه علما وحصافة ..لذلك تهرب كونود من الدعوات وطلب ان لا يزعجه أحد وقال انه يريد السفر الى مغارات في تقانت قرب المجرية توجد عليها رسوم بدائية لتفقد حالتها وقد كانت آخر زيارة له هناك تعود لخمسين سنة خلت !
لم يجد وزير التنمية الريفية أحسن مني ومن سيارتي لتنظيم تلك الرحلة وهكذا سنحت لي الفرصة لمعرفة العبقري عن قرب ومحادثته وسبر أغواره وقد كان رجلا نحيفا طاعنا في السن ثاقب الرؤية عارفا بطباع البشر ولد في أسرة بروتسنتاية “طهورية” وقد كان والداه يريدان ان يصنعا منه قسا لذلك زرعا فيه قيم الزهد والتبتل والتخلي عن أدران الحياة الزائلة وقادته دراساته للطبيعة والجيولوجيا إلى الصحراء فسقط في غرامها وقطعها على ظهور الجمال مفازات وجبال وتمرن على الحر والعطش واعتبر الصحراء فلسفته وصيامه الدائم !
صلة هذا الفرنسي العظيم بصمت الصحراء ونجوم سماءها صلة روحية تدفعه لحب الكائنات والدعوة المتواصلة للسلام فاختار المعذبين في الأرض خلال حرب الجزائر واستبسل في محاربة ثقافة العسكر وأخلاق القتل أيما استبسال وأصبح قائد الكفاح الأكبر ضد القنبلة الذرية في كل مكان واشتهرت عنه قولته الرائعة أن الأسود لا تعلّم أشبالها قتل أقرانهم لكن الإنسان وحده يفعل ذلك دون تردد وأننا خرجنا من الكهوف لنخلق الثكنات ورسخنا بذلك ثقافة العنف بيننا جيلا فجيلا!.
علاقات كونود بأهل الصحراء عميقة فهو يحبهم وله مكاتبات مع علماء المسلمين حول قضايا روحية يفهم منها أن لديه من الميول الإسلامية وحب الناس والتسامح ما جعل منه شخصا محبوبا ولم أجد من مكارم الأخلاق أن اسأله عن معتقداته الخاصة.وأن أحسست في الرجل تلك النزعة المتبتلة التي عرفتها في الشيخ عبد المجيد!
خلال تلك الرحلة القصيرة أحسست به يتألم مما حل بربوعنا من تصحر متسارع وراح يحدثني عن أنواع الكائنات التي كانت تمرح في ربوعنا.. وقرب آلاق قال لي ان الفيلة كادت تقتله يوما ماهنا ! وعند صنكرافة حدثني عن النمور!.. وما وصلنا للمجرية حتى راح يسأل عن قطعان النعام التي تركها هناك منذ خمسين سنة!
كان ديالو ثالثنا وهو عامل بسيط من الوزارة كلف بخدمة البروفيسور وتحضير غذاءة والسهر على صحته وخدمته وكان يجيد لغة بمبارا بسبب أصوله المالية وفوجئت بكونود يحادثه بها ثم راح يشرح لي صداقته مع الكاتب المالي الشهير هامباتيه با وما جرى بينهما من حوار حول تشابه الملل السماوية وتطابق الحقائق الربانية وذهلت من علم الرجل وذكاءه خلال ليلة مبيتنا بالمجرية !
في ضحى اليوم الثاني وصلنا الى مغارة كونود على بعد كيلومترات من تامورت النعاج ووضع العجوز مصباحا شديد القوة على جبهته وتبعته متوجسا مما بداخل المغارة لكن شجاعته وهو فوق السبعين أخجلتني فتبعته وقلبي يخفق رعبا!
راح يصور الرسومات وكان فرحا انها ما زالت هناك على حالتها وهي رسومات بدائية تشير الى أبقار وغزلان وناس وتشبه في بساطتها رسوم وخربشات أطفال ويمكن للمشاهد العارف بمدارس الرسم وأنواعه مقارنتها برسومات الفن” الناييف “لما فيها من بدائية وسذاجة وبساطة!
بعد ساعتين خرجنا وكدت اسقط من هول ضوء النهار وعظمته وقد تعودت الظلمة واستلطفتها وكانت المغارة رطبة وكتيمة ورحت أنشد شيئا من شعر السياب يقول فيه من قعر قبري أتيت !
كل تلك الرسومات التي خلفها أجدادنا اعتبرها كونود رسائل مشفرة تخصه وحده!.. رسائل تركها له أناس يعرفهم في حيوات ماضية كما قال وقرر أن لا يفشي عليّ أسرارا ليست تعنيني! وأزعجني تملصه من الإجابة ولم ألح عليه كثيرا فنوعه يعرف ما يريد أن يقول ولمن ومتي يقال !.وكبف
أمرني بالتوجه لبركة صغيرة زارها في شبابه والمبيت قربها وقد انحسرت كثيرا حتى أصبحت أمتارا قليلة بين صخور وكثبان وهي” تامورت مطماطة” ووصلنا اليها ونصبنا خيام الكشافة الصغيرة وأخذنا قسطا من الراحة ومع بزوغ الشمس طفق البروفسور يحرك بيده تجهيزات غريبة تحدث أصواتا عجيبة وقال لي أنها جهاز تسجيل متطور يطلق ذبذبات صوتية تلتقطها الكائنات وتحسبها صوت الرعد وأن ذلك سيساعدها في الخروج من سباتها وبالفعل ما هي إلا لحظات حتى أخذت تماسيح صغيرة بطول المتر ونصف المتر تخرج تباعا وفرح بقدومها العجوز غريب الأطوار واحتفل راقصا كمن يلتقي بأحبة بعد طول فرقة !
شرع يصور التماسيح ويداعبها ويقول لي إنها مسالمة ووديعة!
ثم طلبني مساعدته بأسر واحد منها فلم أتردد وقد نلت من دراستي في بغداد خبرة في تخدير الحيوانات وفتحت حقيبة المعدات وصوبت رصاصات التخدير متتالية صوب تمساح منفرد على بعد مترين من البروفيسور العجيب وأصبته فتجمد كالميت وقد كانت كمية الحقن المخدرة التي صوبت نحوه.. تكفي لتنويم فيل كبير وهكذا تمكنا من أسره ووضعه في حوض بلاستيكي قوي مليئ بالماء ورمينا فيه بعض الاعشاب وأغلقناه بعناية فائقة وحملناه ثلاثتنا ووضعناه فوق السيارة وشددنا عليه بشبكة قوية من الحبال وأفرح ذلك البروفيسور كثيرا وأطربه كالطفل وقال لي انه حقق واحدة من أكبر أمنياته في الحياة!
في طريق العودة قال لي كونود ان تماسيح تقانت كائنات نادرة وان العلماء لم يستطيعوا تحديد أصلها وراح يتحدث عن النظريات المختلفة التي تربطها بالنيل وتماسيح مصر والحبشة وهي نظريات تنبني على ان الصحراء كانت غابات وبحيرات وانهار وأن التصحر الذي تفاقم في المليون سنة الأخيرة أدى إلى تباعد السلالات وقد استطاعت تماسيحنا القليلة أن تطور مع الزمن والانتخاب الطبيعي قدرات غريبة كالسبات الموريتاني أي ان تنام في جوف المياه الجوفية وأن تتحول إلى اسماك تماما خلال الصيف وعندما تأتي الأمطار تعود إلى طبيعتها الأصلية واستلطفت فكرة السبات الموريتاني العجيبة هذه ورحت أعلل تخلفنا به وقلت نحن امة من الأسماك المؤقتة وسنعود الى حالة التماسيح لو جاء المطر! وفهمت حالات التلون والتقلب والتناقض التي تعتري كل الكائنات الموريتانية وسرحت في الأمر اقلبه ذات اليمين وذات الشمال الى ان قطع العالم من نجواي الخاصة قائلا ان الأسير الذي وضعناه فوق السيارة سيساعد فريق الباحثين في معهد الإنسان بباريس وىأفريكا نيتر سكول في لندن من التقدم في الأمر وتحديد الحالة بفضل التطور العلمي في الأبحاث الجينية ثم راح يضحك قائلا هل يمكن أن تقترح لي اسما مناسبا لصديقنا النائم فوق السيارة؟وقلت له أن المسالة أمتدت نحو البشر وأنه من الأجدي نقل نماذج بشرية لدراسة حالة السبات المزمن والبنيوى التي تعترينا وأضحكه الاسقاط كثيرا ورحنا نتسلى بنقد النظام الحاكم ساعتها والتنكيت عليه حتى دخلنا توجونين بوابة نواكشوط الجرداء والجرباء!
لست أدري لماذا قرر البروفيسور كونود فور عودته لباريس البعيدة تسمية تمساحه بالكولونيل وهي الرتبة العسكرية لرئيس البلاد رغم ما في ذلك من عدوانية لا تخفى على لبيب مثله!
هذا أمر ليست لي به أي علاقة مباشرة كل ما اعرفه أن التمساح عرض في أماكن كثيرة في أوروبا وباسم الكولونيل الموريتاني وقد لا يجد الكثيرون في ذلك مصدر إزعاج فالماريشال موبوتو يسمى نفسه بالنمر والرئيس الايفواري هوفيتبوانييه بالتيس وهو أمر مقبول في أعرافهم كما إن إطلاق تسمية رئيس او ملك على اكتشاف علمي أيا كان يحمل في طياته نوعا من التكريم والعرفان لكن تمشي الريح في نواكشوط بما لا تشتهي السفن فقد اعتبرت دوائر الحكم الأمر رغبة في التحقير برئيس الدولة الموريتانية حين أخذت الصحف العالمية المتخصصة تتابع التمساح الموريتاني العجيب في غربته القسرية!
أفردت له صحيفة “ناتير” عددا كاملا واعتبرت الكولونيل نوعية نادرة عمرها مليون سنة ثم أخبرتنا جريدة “ايريث ” البريطانية أن جو أوربا سيقتله حتما وان الخبراء نظموا له رحلة في مصر وعادت “ناتير” لتخبرنا بوعكته في مصر وعدوانيته الجديدة ثم غطت سفره الى رواندا والمقارنات التي أجريت له مع تماسيحها وعادت” جون آفريك” المحظورة في نواكشوط تزيد من زخم الاثارة وتفتعلها افتعالا عبر مقارنة مؤذية بين صفات الرئيس والتمساح الغريب وأخبرتنا صحيفة “ايكولوجيا” الهولندية عن تملص الكولونيل في مايو 1983 من الحراسة وضياعه في بحيرة بوكافو قرب بوجمبورة ببروندي بعد ان عجز باحثون أغبياء من بلجيكا عن تطويقه وحراسته !
وهكذا ضاع التمساح…وانتهت الضجة الإعلامية الطريفة !
أزعجت الضجة كثيرا رئيس اللجنة العسكرية رئيس الدولة وراح أعوانه يبحثون عن كبش فداء واغتنم بعض الحساد الفرصة واعتبروها أسرع وسيلة للتنكيل بي ولم لا وقد أزعجتهم الرانجروفير كثيرا …وهكذا بوشاية من زملاء وأصدقاء-أعداء من ضباط المخابرات تم اعتقالي ضحى يوم 24 يوليو1983واقتيادي لعمارة إدارة الأمن التي أصبحت لاحقا محكمة المغرب العربي بغية التحقيق معي حول تهمة غريبة هي محاولة زعزعة استقرار البلاد والقدح بالمؤسسات الوطنية!
بت ليلتين كاملتين دون تحقيق في قبو رطب بإدارة الأمن ورأيت بأم عيني تلك الآلة العجيبة التي تستخدمها شرطة النظام لانتزاع الاعترافات وهي عبارة عن مجموعة من القضبان الحديدية المعلقة في السقف ويتم ربط أطراف المتهم السفلية فيها وتركه معلقا ورأسه متدلية ثم يتم الضغط علي مفاصله حتى درجات مريعة من الألم وتسمى هذه الآلة بالجاغوار تشبها وتيمنا بالطائرة الفرنسية المقاتلة وبالرقصة النواكشوطية المثيرة في آن واحد وعلى كل حال لم أتعرض لها فقد شاءت الأقدار أن من بين العاملين ضابط تربطه قرابة فورية بالأستاذ عبد الله فخجل من ضربي وقد عرفني في مجلسه وراح يبحث عن الأعذار وربما زعم لرؤسائه بانه ضربني ضربا مبرحا وقد أخطر سرا وجهاء كيفة بحقيقة أمري فاندفعوا في كل صوب ووجهة يبحثون عن وسيلة لتحريري من براثن شرطة العسكر وكان منهم وزير متنفذ قيل انه دافع عني وتوسل لرئيس الدولة كثيرا.. ومنهم امرأة فاضلة تربطها صلة مصاهرة بالدكتور ولد سيبوط مدير ديوان الرئيس فاندفعت تبكي في بيته وكان لذلك تأثير عليه وعلى رئيسه وتحرك آخرون وبعد أسبوع كامل من التحقيقات السخيفة أطلق سراحي ولم توجه لي أي تهمة!
سألني المحققون عن كل أحد من البعثييين إلى الناصريين ومن العم تين يوسف غي إلى احمد بابا مسكة ومن صدام حسين إلى الشيخ عبد المجيد ومن كونود إلى مختار ولد داداه ثم جاءتهم الأوامر بإطلاقي من نفس السلطة التي أمرت بسجني وعدت إلى عملي واكتشفت من أول يوم أن قرار عزلي من المشروع قد صدر في اليوم الثاني من اعتقالي وفهمت أن الأمر برمته مجرد مقلب نصبه لي حساد يريدون منعي من قيادة الرانجروفير ومن مجالسة علماء أوروبا وأحزنني ذلك كثيرا..كثيرا!.
بعد شهر كامل من الانتظار والوساطات العديدة تم تحويلي الى كيفة للعمل كمساعد للمندوب الجهوي للوزارة وقد أفرح ذلك والدي كثيرا فقد تقاعد منذ سنة كاملة وهاهو ابنه يعود لاحتلال وظيفة مشابهة في نفس البلدة التي يعشقها كل من عاش فيها وفرحت أمي واعتبرت ذلك بشارة خير فقد عدت أخيرا وراحت تبحث لي عن زوجة وكان والداي يريدان رؤية ابناء وبنات من نسلهما وبسرعة وانعقدت آمالهما عليّ في ذلك منذ زمن بعيد!

ديسمبر 2, 2016