هل ما يزال “كوبنا” على قيد الحياة؟

مقال: المختار محمد يحيى

قبل أكثر من 15 عاما كانا أمام باب بيتنا في حي سي وسط العاصمة نواكشوط، في الساحة الكبيرة المعروفة بـ “كراج الزعتر”، وهذه المنطقة بالتحديد هي التي يقع فيها سوق العاصمة الجديد، الآن.

في تلك الساحة المليئة بحركة المارة القادمين من السوق والغادين إليه، كانت توجد طاولتهما حيث يمسحان الأحذية، ويصلحانها، يعد أن أتيا من جمهورية غانا، رجل يدعى كوفي، وبصحبته غلام صغير يسمى كوبنا، كان لما يكمل عقده الأول آنذاك، وكان كثير اللعب بأدوات إصلاح الأحذية الموجودة على طاولة كوفي.

أذكر أن كوبنا كان إلى جانب لعبه بأدوات إصلاح الأحذية، خبيرا بالصنعة التي يدربه عليها والده، والتي كثيرا ما يعاقبه حين لا يحسن التصرف، أو يكثر من اللعب واللهو تماشيا مع روحه الطفولية التي يشوبها شيء من أثر قسوة الظروف.

جالستهما كثيرا، حيث كنت أخرج في أوقات فراغي، لكن ذلك الصبي “كوبنا” كان دائم التواجد عند طاولة أبيه، إذ أنه لا يشبه الأطفال في عمره فهو لا يرتبط بأوقات المدرسة والذهاب والإياب محملا بحقيبة مدرسية، بل كان قد قدم رفقة والده يقصدان هدفا واحدا وضعاه نصب عينيهما.

كان يقول لي كوبنا أنه يوما ما سيغادر تلك الطاولة إلى بلاد أخرى، ولكن لم أكن أعي مضمون حديثه، وفي يوم من الأيام أخبرني والده، أنهما يخططان للهجرة عبر البحر إلى أوروبا، وأنهما يجمعان المال من أجل تلك المهمة، كانت أسئلة كثيرة تدور في ذهني، من بينها أسئلة: لماذا يهاجران؟، وكيف لهما أن يجمعا مبلغا يكفيهما للسفر من خلال إصلاح الأدوية؟، ولمذا لم يجمعا المبلغ وهم في بلدهم غانا؟.

عانت أفريقيا كثيرا من المشاكل الاقتصادية والسياسية التي أثرت كثيرا على أوضاع الإنسان هناك، ولم أكن أعلم أن العديدين ممن سد الأفق في وجوههم يسعون إلى الهجرة وراء البحر، إلى شاطئ آخر يحاولون فيه العيش كآدميين.

الآن وقد عرفت أن آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا، يمرون بمآسي عديدة في رحلتهم، أولها استغلالهم من قبل المهربين، وامكانية الاتجار بهم، وثانيا الغرق في قاع المحيط الأطلسي الذي لا يرحم قواربهم الهشة، أو أنهم يتيهون في لججه، أياما وأياما حتى يموتون من الجوع.

لم أكن أعلم أن من ينجو بأعجوبة من كل تلك المآسي لن يجد فراشا حريريا ووسادة من ريش النعام في انتظاره، بل من المؤكد أن يعيش حياته مختفيا عن الأنظار، متواريا عن شرطة الهجرة الأوروبية، وكثيرا ما يتضورون جوعا في الغابات والكهوف، ومن نجح في الحصول على لجوء، فإنه يعيش حياة صعبة أرحم له الحياة في بلاده، إذ لا يستطيع أن يعمل ولا أن يبني مستقبلا، نظرا لعدم ملائمته لشروط العمل الأوروبية، لا شهادات عالية، ولا خبرات كافية.

منذ اختفى كوبنا ووالده كوفي عن الأنظار عام 2003 ولم يعودا إلى تلك الطاولة، التي بقيت أياما مركونة إلى جانب جدار بيتنا، لم يسمع عنهما أي خبر، من المحتمل أن يكونا قد سافرا إلى نواذيبو حيث كانا يخططان للهجرة من هناك، أياما وأياما ولم أجدهما… سرعان ما استلم مهاجر آخر من غانا مكانهما، وبدأ يعمل على تلك الطاولة من جديد.

أعرف أن تلك الفترة 2003 كانت فترة الهجرة بامتياز حيث أنها فترة اضطرابات سياسية وأمنية بموريتانيا، وهي الفترة المناسبة لانتشار هذه الظاهرة، حيث تعتبر موريتانيا مرحلة عبور ضمن خط مأساوي يروح ضحيته مئات المهاجرين سنويا، ولكن الخفي هو المخاطر المحدقة بحقوق الإنسان المترتبة عليها، إذ يتم استغلال الأطفال وتشغيلهم سخرة، والاتجار بالبشر عبر الحدود، من قبل عصابات عابرة للحدود، تستغل حاجة هؤلاء الضعفاء الماسة إلى تحسين أوضاعهم المعيشية.

التعليقات مغلقة.