60 عاما على نواكشوط .. بقلم د. أحمد مولود أيده الهلال

60 سنة مرت اليوم على تأسيس عاصمتنا الفتية 5 مارس 1958 -5 مارس 2018 هي مدّة قصيرة في عمر المدن خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن مجالنا الصحراوي ظل يهيمن عليه جغرافيا نمط عيش تطبعه البداوة والترحال في الغالب الأعم ولم تكن المدينة فيه على مر الحقب بالمقوم الأساس للاجتماع البشري رغم وجود إستثناءات مثل مدينة غانه وأودغست ثم قصور ولاته وتيشيت آبير وودان وتينيكَي وشنقيط…
نواكشوط بعد عامها الستين تواجه تحديات جسام رغم وتيرة الإعمار المعتبرة التي عرفتها خصوصا خلال العقود الأخيرة لكن رغم ذلك تظل المدينة تعكس في جل ملامحها وجه ماضي سكانها إذ لا تخفى بصمة أحفاد الرحل -وأنا منهم طبعا- فهم في سلوكهم لم يضعوا عصى الترحال على الأقل مترحلين بين أحيائها تماما كما كان آباءهم يرحلون ! وأيضا في طرق تعاملهم مع مقتضيات الاستقرار الحضري وهو ما تجلى في ظهور أنماط من السكن العشوائي (الكبات والكَزرات) وحتى في بعض من أنماط العمارة السكنية كتشبثهم بالخيمة مثلا بأشكال متعددة لها مشيدة بمواد صلبة، رمزا لثقافة “أهل الخيام” التي وضح زميلي الدكتور حماه الله ولد السالم جوانب منها ضمن مقال نقدي منذ مدة إذ تبقى هذه الثقافة الثابت الراسخ والمتجذر وسط كل المتغيرات التي يبدو أنها بقيت تتحكم في تعامل معظم ساكنة العاصمة مع مستجدات المدينة بما فيها المرافق العمومية والنفايات وأيضا طرق استغلال الفضاءات العمومية الشوارع والطرق والساحات العمومية التي تحول في بعض الأحياء إبان الفوضى العمرانية إلى أملاك خاصة بكل بساطة ! وعن حركة المرور ووضعية ركن السيارات في الطريق العام فحدث ولا حرج إذ تبدو لي أحيانا طرق قيادة البعض لسياراتهم وهم يسوقونها في حركات تماثل حركات من يمتطي دابة من دواب النقل البدوي كالإبل مثلا ! ولا يخفى أن سياق الاستقرار القسري الذي واكب مراحل تأسيس نواكشوط إبان سنوات جفاف سبعينيات القرن المنقضي وما تلاها أدى إلى حركة نزوح كبرى بإتجاه العاصمة مما انعكس مسار ترييف “ruralisation” عام طبع وجه وملامح المدينة ! يلحظه الزائر في الشارع كما في السلوك الساكنة فلا احترام لإشارات المرور ولا للطريق باعتباره مكانا مشتركا بين جميع المارة ! وفي الصيف عندما يلوذ سكان نواكشوط بالكثبان الرملية على طريق مسعود وطريق عزيز مولين ظهورهم للشاطئ الأطلسي الجميل المنعش للعاصمة توقا إلى العراء وهربا من مدينة لا تستجيب لمتطلبات ثقافتهم كما أنها أيضا لا تستجيب لمقتضيات عيش المدن من نفاذ إلى كل الخدمات بما فيه الترفيه والتسلية فضلا عن غياب فضاءات ثقافية كدور ثقافة وقاعات سينما وغيرها مما يمكن للساكنة ارتياده، وهو ما يجعلنا ندرك أن نواكشوط تواجه تحديات كبيرة في بعض الوظائف الضرورية التي ينبغي أن توفرها لساكنتها خصوصا من الشباب والأجيال الصاعدة، فمن المؤسف أن تظل الفضاءات الوحيدة المتاحة للشباب للتسلية وممارسة أنشطه ترفيهية وحتى ثقافية أحيانا هي المقاهي التي استحدثها في العاصمة أشقاؤنا التوانسة ثم زاد في أعدادها تحت الطلب المتزايد أشقاؤنا المغاربة والجزائريون وتكاثرت خلال العقد الأخير. هكذا تبدو لي نواكشوط وهي في الستين من العمر مدينة أدارت ظهرها للبحر بل للحياة ولأهم متطبات شباب هذا العصر وجمعت في ذات الأوان عددا من السلبياب المعهودة في التجمعات الحضرية الكبرى ببلدان الجنوب من إكتظاظ وعدم انسيابية في حركة المرور وتلوث -نسبي- وغلاء العيش مع ارتفاع نسبي أيضا معدلات الجريمة، وفي المقابل غابت عنها روح النظام والحياة العصرية، بيد أن حياة المدينة ينبغي أن يتحكم فيها النظام ويطبعها بوقع روح العصر وحياته ولا أرى أنه من الترف بل حسب تقديري من الأولويات أن تتمتع ساكنة المدينة بالنفاذ إلى نوعية خدمات حياتية على غرار عيش مدن العالم من حولنا فالناس أبناء زمانهم. إن ما نعيشه في جل أحياء المدينة باستثناء العالم الافتراضي وما حملته لنا الثورة الرقمية نحن في هذة المدينة بعيد كل البعد من تشبع روح المدنية وروح العصر الذي نعيش فيه ولا أبالغ إذا وصفته بنمط بداوة هجينة داخل مجتمع المدينة وفق اقتباس من طرح زميلي رحال بوبريك Rahal Boubrik بخصوص تميز محروسة ولاته عن باقي قصور البيضان.

التعليقات مغلقة.