الرداء الأبيض.. بقلم الكاتبة الصحفية عائشة سيد عبدالله

في وحدة الحالات المستعجلة بالمركز الصحي بتيارت ليلة الجمعة الماضية التوقيت في حدود 12:30 منتصف الليل .. غرف الوحدة ممتلئة بالمرضى، الجو ممطر وبارد لكن السكون يملأ المكان و يغطي مساحات ليست بالقليلة، والصمت يروي القصة الكاملة.
ولأني مجرد مرافقة سرقت بعض الوقت لتفحص وجوه المرضى والأطباء ، الأمور بخير والمكان هادئ مما جعلني أشعر بالنعاس وبعد دقيقتين ،ارتميت على كرسي يقع بجانب السرير.. أبحث عن غفوة تعيد إليّ بعض النشاط ، غفوة لايتخللها سوى استغاثة مريض أو أناة آخر.
لكن ماشد إنتباهي هو الطاقم الطبي المداوم لتلك الليلة ، وشغفه بالمهنة مما أثار تساؤلاً بداخلي .. وهو كيف لإنسان يعيش بين آلام المرضى، وينوء بحمل تلك الأمانة ان يحمل روحا خفيفة تساعد من يحتاجها في ثواني.. لدي دوافع صٌحفية لسؤالهم عن السر !! وهو ألا تشعرون بالملل والتعب والرغبة في الخروج من المكان؟!! .. بعد لحظات صمت التفت إليَّ أحدهم وكأني لامست قضية تسكن أعماقه منذ زمن بعيد قائلا:
تتكلمين عن المهنة وكأنك لا تعرفين ما معنى أن يكون هناك مريض وطبيب مضيفاً: عندما تنظرين ياسيدتي إلى أي مهنة أخرى ستجدين قيمتها قد ارتبطت بنتائجها.. مثلاً من يصنع الخبز.. قيمة مهنته بجودة ما ينتجه من الخبز وكذلك يكون عامل البناء والمهندس والمعلم..
كما قد تكون مهنة البعض ممتعة كالفنان الذي يصنع مقطوعة موسيقية رائعة ، ويرقص على ألحانها ، فلو جعلنا مهنة الطب تحت هذا المقياس لأصبحت مملة ومتعبة وتعجّل بانقضاء الأجل لكنّها أيضا تملك ميزةً خاصة ، وهو انك عندما تتعامل مع عالم الإنسان ستشعر بالرغبة في العطاء أي العطف على الكبير والصغير والغني والفقير.
أثناء تلك الرحلة ستتحلى بالصبر لمواجهة ألم المرضى وأنينهم وستصادف الأمل وهو يزيل الألم و الرجاء يبعد اليأس والأمن يمنع الخوف..
حينها ستجود بكل المشاعر النبيلة لديك ..هل مازلتِ تستغربين أختي الكريمة .
الساعة الثانية ليلا إلا ربع جاء الطبيب كتب الوصفة وأذن لنا بالخروج ، صوت المطر في الخارج يعزف لحن الحياة والبعض يشعر ضمنيا بالسرور لأنه خرج لينام في سريره الدافئ . لوحتٌ بيدي للطاقم المداوم ، افترق الكل واختفى في أزقة العاصمة دون كلمة شكرًا…

لتبقى تلك الوجوه دوماً – مع بعض الإستثناءات- تبذل وقتها ثمنا لراحة الآخريين

كلمة للحق.
دمتم بصحة وعافية.

التعليقات مغلقة.